الأحد، 9 فبراير، 2014

تعّرف على الدستور التونسي الجديد - ورقة مفصلة

هذه التدوينة بناء على طلب الأخ العزيز سعد السبيعي عضو المنبر الديمقراطي وهو يملك حقوق نشرها :)

__________

بعد التصديق عليه في ٢٠١٤/١/٢٧ يعتبر الدستور التونسي هو ثالث دستور ينظم سلطات الدولة التونسية بعد دستور عام ١٨٦١ ودستور عام ١٩٥١.

عند تناول أي دستور يجب بيان صفاته أولًا قبل الولوج في تفاصيل مضامينه.

١/ هو دستور مكتوب ولعل هذه الصفة أصبحت الغالبة في كل الدساتير الحديثة. كونها توضع عبر كتابتها من قبل المؤسسين لا عن طريق إستقرارها بالعرف، ويبقى الدستور الانجليزي هو المتفرد كونه دستور عرفي غير مكتوب.

٢/ هو دستور مختصر يحوي ١٤٩ مادة، كما هو الحال في دستور الكويت ١٨٣ مادة وهناك دساتير تغرق بالتفاصيل مما يجعلها دساتير مطولة والمثال الأبرز هو الدستور الهندي الذي تفوق مواده ٤٠٠ مادة.

٣/ هو دستور جامد أي أن عملية تعديله تتطلب أغلبية خاصة لإقرار التعديلات الدستورية في حين أن الدساتير المرنه يمكن تعديل نصوصها بالأغلبية المطلوبه لتعديل التشريعات العادية ( أغلبية الحاضرين) مثل الدستور الإنجليزي

حيث يتطلب الدستور التونسي لتعديله عدة إجراءات وهي
- أن يتقدم بمقترح التعديل رئيس الجمهورية أو ثلث أعضاء البرلمان.
- ثم يعرض كل مقترح (وجوباً) على المحكمة الدستورية لكي تنظر مدى إمكانية التعديل لأن هناك مواد يحظر تعديلها وفقًا للدستور كما سيأتي بيانه لاحقًا.
- ويتطلب لنظر المقترح أن يحصل على موافقة الأغلبية المطلقة النصف +١ (لم يحدد الدستور هل هي أغلبية الحاضرين في الجلسة أم أغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس).
- وللموافقة النهائية على التعديل يشترط موافقة ثلثي أعضاء البرلمان ( وهذه الأغلبية كبيرة مما يضع الدستور التونسي في تصنيف الدساتير الجامدة).
- ويلاحظ أنه يمكن لرئيس الجمهورية - بعد موافقة الثلثي البرلمان - إذا كان له رأي مخالف لرأي المجلس النيابي أن يعرض التعديل على الشعب عبر الإستفتاء، فإذا رفضه الشعب يسقط التعديل لأن الشعب هو الطرف الأصيل ولا يمكن لرأي من ينوب عنه أن يفرض عليه ولو صوت البرلمان بالإجماع على التعديل.

إذن فالدستور التونسي دستور مكتوب ومختصر وجامد وبهذه الصفات يشابه الدستور الكويتي والكثير من الدساتير المقارنة.

بعد هذه المقدمة يمكننا النظر في مضامين الدستور التونسي والذي يقع في توطئة وعشرة أبواب سنعددها ثم نعرض لكل باب على حده.

- التوطئة 
١- المبادئ العامة
٢- الحقوق والحريات
٣- السلطة التشريعية
٤- السلطة التنفيذية
٥- السلطة القضائية
٦- الهيئات الدستورية المستقلة
٧- السلطة المحلية
٨- تعديل الدستور
٩- الاحكام الختامية
١٠- الاحكام الانتقالية

اشتمل الدستور التونسي على ديباجة أو مقدمة تلخص الحالة التي صدر فيها وتؤكد أهداف ثورة الحرية والكرامة وتستذكر شهدائها وتضحيات الونسيين والتونسيات.
كما تبرز الروح الإسلامية لتونس والإمتداد العربي لها وكذلك الإمتداد القاري، كما يبين الدستور أنه جاء وفق حق الشعوب في تقرير مصيرها ومناهضة اشكال الاحتلال والعنصرية وانتصارا للمظلومين في كل مكان وفي مقدمتهم الشعب الفلسطيني.
وتضع ملامح الدولة التونسية ببيان نظامها الجمهوري الديمقراطي القائم على سيادة الشعب  في إطار الدولة المدنية، عبر التداول السلمي للسلطة في ظل فصل بين السلطات وتوازنها والتنافس السياسي عبر حرية التنظيمات السياسية والتعديدية وحقوق الإنسان واستقلال القضاء وعلوية القانون.


باب المبادئ العامة
من المادة ١ إلى المادة ٢٠

نجد في هذا الباب روح الشعب التونسي وهويته التي أفرغها في نصوص هذا الباب 

تونس دولة ذات سيادة دينها الإسلام ولغتها العربية ذات نظام جمهوري. *مادة ١

الدولة مدنية تقوم على المواطنة وسيادة الشعب والقانون *مادة ٢

ويلاحظ في هاتان المادتان أنه يحظر تعديلهما إطلاقًا وأي مقترح للتعديل سوف يعرض على المحكمة الدستورية كما أسلفنا والتي سوف ترفضه إبتداءً إن هو خالف أحكام هذه المواد.

الشعب صاحب السيادة ومصدر السلطات عبر نوابه المنتخبين أو عبر الإستفتاء. *مادة ٣

ويلاحظ إقرار الدستور للإستفتاء كوسيلة لممارسة الشعب لسيادته وهو مظهر من مظاهر الديمقراطية شبه المباشرة، وهو إسلوب لا يكاد دستور من الدساتير الديمقراطية الحديثة أن يخلو منه.

تبين *المادة ٦ رعاية الدولة للدين وحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية كما تضمن حياد دو  العبادة عن التوظيف الحزبي، كما تحض الدولة على نشر قيم التسامح وحماية المقدسات، وتحظر دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف تلزم الدولة بالتصدي لها.

وهذه المادة تعتبر تفعيل لمدنية الدولة والتعددية الحزبية والتنافس السياسي الشريف.

اشتمل الدستور ( كنوع من الضمانة) على وجوب كشف رئيس الجمهورية والحكومة والنواب وأعضاء المؤسسات الدستورية أو أي وظائف عليا عن ذمتهم المالية وفق قانون ينظم ذلك *مادة ١٢

كما نص الدستور على الحياد التام للمؤسسة العسكرية وألزمها بدعم السلطات المدنية *مادة ١٨

أيضا حرص الدستور على بيان مهمة قوات الأمن بتنفيذ القانون والحياد التام واحترام الحريات. *مادة ١٩

وجاءت المادة ٢٠ بالنص على أن المعاهدات الدولية هي في مرتبة أعلى من القانون وأدنى من الدستور.

ويلاحظ أن هذا النص مأخوذ من الدستور الفرنسي، وتبرز أهمية هذا النص في تفعيل دور المعاهدات الدولية في التشريع الوطني، حيث أنه وفقًا لمبدأ سمو القوانين أو الهرمية القانونية "دستور - قانون - قرار" تكون المعاهدات في مرتبة وسط بين الدستور والقانون بشكل يضمن عدم مخالفة القوانين المحلية للمعاهدات التي يصادق عليها البرلمان، وهذا يجعل من كل تشريع مخالف للمعاهدات المصادق عليها سلفًا تشريع مخالف للدستور يجوز للمحكمة الدستورية إعدامه.


وتقرر بقية المواد علم الجمهورية ونشيدها الوطني *مادة٤، وامتدادها للمغرب العربي *مادة ٥، وحماية الأسرة *مادة ٧، والاهتمام بالشباب وتنمية قدراته وتوسيع إسهاماته *مادة ٨، وتؤكد *مادة ٩ شرف الدفاع عن الوطن وواجب الخدمة الوطنية، عدالة الضريبة وحسن التصرف في المال العام ومكافحة الفساد تنص عليها *مادة ١٠، العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة ملزمة الدولة بتحقيقها *مادة ١٢، والثراوت الطبيعية ملك الشعب وتعرض عقود استثمارها على نوابه في البرلمان *مادة ١٣، تدعم الدولة اللامركزية *مادة ١٤، الادارات العمومية في خدمة المواطن وفق الحياد والمساواة وقواعد الشفافية والنزاهة *مادة ١٥، حياد المؤسسات التربية ضد التوظيف الحزبي *مادة ١٦، تشكيل قوات الجيش والشرطة محصور للدولة ولخدمة الصالح العام *مادة ١٧.

باب الحقوق والحريات
مادة ٢١ - مادة ٤٩
في هذا الباب يعدد الدستور الحقوق الحريات وهي لم تخرج عن الحقوق والحريات الواردة في الإعلان العالمي لحقوق والإنسان، لذا سوف نورد بعض الملاحظات على هذا الباب.



من الملاحظ أنه في هذا الباب لم يحدد الدستور الآداء المطلوبة لتنظيم هذه الحقوق سواء كانت آداة التنظيم الإخطار أو الترخيص.
بخلاف مسلك الدستور المصري ٢٠١٢ الذي نص في مواده المتعلقة بالحريات والحقوق مثل اشهار الأحزاب عبر الإخطار، في حين سلك الدستور الكويتي مسلكًا فويضيًا في تنظيم الحريات بحيث فوض المشرع لينظم الحريات وفق قانون حسبما يراه.

إلا أن الدستور التونسي جاء في منطقة وسط حيث نصت المادة ٤٩ في ختام هذا الباب لتضع ضمانات دستورية تكفل بها صيانة الحريات من التشريعات الماسة بها، حيث أكدت أن التنظيم يجب ألا ينال من جوهرها وأن أية ضوابط يجب أن تتناسب مع موجباتها، ونصبت الهيئات القضائية حارسة للحريات من الإنتهاك، وأخيرًا حظر النص أي تعديل في مكتسبات حقوق الإنسان.

كما جاءت المادة ٢٥ لتحظر سحب الجنسية من أي مواطن أو تغريبه أو تسليمه أو منعه من العودة إلى الوطن. 


وكفلت المادة ٣٦ حق الإضراب كنوع من الضمانة له، إلا انها نصت على استثناء قوات الجيش الوطني والأمن الداخلي والديوانة (الجمارك) من ممارسة هذا الحق.

الباب الثالث: السلطة التشريعية
مادة ٥٠ - مادة ٧٠

السلطة التشريعية يمارسها الشعب عبر ممثليه وعبر الإستفتاء، البرلمان يسمى مجلس نواب الشعب، مقره تونس العاصمة، يتمتع بالإستقلالية المالية والإدارية، دورته تستمر ٥ سنوات "تمدد في حالات الخطر الداهم"، ونواب الشعب يتمتعون بحصانة إجرائية "ضد الإيقاف أو التفتيش أو المحاكمة" وحصانة موضوعية "ضد التتبع المدني أو الجنائي" لما يبدونه من آراء أو أعمال ترتبط بمهامهم النيابية، وللمجلس أن يرفع هذه الحصانة إلا في حالة التلبس فإن الحصانة تسقط ويعلم المجلس بها فورًا ويجب أن تنتهي أي إجراءات ضد النائب "الإيقاف مثلاً" إذا طلب مكتب المجلس ذلك.

يمارس حق الإنتخاب كل من بلغ من العمر ثماني عشرة سنة، ويمارس حق الترشح كل من بلغ من العمر ثلاثا وعشرين سنة، ويجوز الترشح للمتجنس الذي مر على تجنسه عشر سنوات.

الانتخابات عامة وسرية ومباشرة ويضمن سيرها بنزاهة وشفافية.

المعارضة مكون أساسي لها حقوقها، ويجب أن تسند رئاسة اللجنة المالية لأحد أعضائها كما يجب أن يسند كرسي مقرر لجنة الشؤون الخارجية لها، ويحق لها أيضًا تشكيل اللجان السنوية ورئاستها.

إصدار التشريعات

يتطلب لتقديم المقترحات بقوانين عشرة نواب، أما المشاريع بقوانين فيتقدم بها رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة.

ولا تقبل المقترحات بقوانين التي تخالف الميزانية التي تم ضبطها في قانون المالية.

التشريعات وفقًا لهذا الدستور تنقسم إلى نوعين تشريعات أساسية وتشريعات عادية، يختلف كل نوع بالمواضيع التي ينظمها التشريع، كما يختلف كل منها بالأغلبية المطلوبة للموافقة عليه.

وتنحصر التشريعات الأساسية بالمسائل التالية
- الموافقة على المعاهدات
- تنظيم العدالة والقضاء
- تنظيم الاعلام والصحافة والنشر
- تنظيم الاحزاب والنقابات والهيئات المهنية وتمويلها
- تنظيم الجيش الوطني
- تنظيم قوات الامن الداخلي والديوانة (الجمارك)
- القانون الانتخابي
- التمديد في مدة مجلس نواب الشعب
- التمديد في المدة الرئاسية
- الحريات والحقوق
- الاحوال الشخصية
- الواجبات الاساسية للمواطنة
- السلطة المحلية
- تنظيم الهيئات الدستورية
- القانون الاساسي للميزانية

وهذه القوانين سالفة البيان يتطلب لاقرارها "اغلبية خاصة" وهي الاغلبية المطلقة "نصف+١" للاعضاء الذين يتألف منهم مجلس نواب الشعب، كما يشترط في هذه القوانين مضي ١٥ يومًا لعرضها للمداولة العامة من تاريخ احالتها للجنة المختصة.

أما القوانين العادية فهي:
- استحداث المؤسسات والمرافق العامة
- الجنسية
- القوانين المدنية والتجارية
- قوانين العقوبات "الجزاء" 
- العفو العام
- نظام إصدار العملة 
- القروض والتعهدات العامة
- الوظائف العليا
- التصريح بالمكاسب "قانون كشف الذمة المالية"
- ضمانات الموظفين المدنيين والعسكريين
- قوانين المصادقة على المعاهدات
- قواتين الميزانية والمصادقة عليها وخطط التنمية
- قوانين تنظيم الملكية والحقوق العينية والتعليم والبحث العلمي والثقافة والصحة العامة والبيئة والعمران والطاقة والعمل والضمان الاجتماعي.


أما ما يخرج عن هذه المسائل فيخضع للسلطة الادارية.


المادة ٦٦ وضعت نظام إجرائي مفصل لإقرار الميزانية مقرون بمواعيد محددة وتواريخ مضبوطة تبدأ من ١٥ من أكتوبر وتنتهي في ٣١ ديسمبر بحيث يبدأ العمل بالميزانية مع بداية السنة الميلادية الجديدة. 

وفي الحالة التي لا تقر فيها الميزانية في هذه المدد يعمل بمشروع المزانية مجزأً على فترات كل فترة ٣ أشهر تجدد بموجب أمر رئاسي.

ولا شك أن عناية المشرع الدستوري بقانون المالية "الميزانية" تأتي من الدور التاريخي للبرلمانات في مسائل الميزانية حيث كان الدور الأول للبرلمان في نشأته الأولى متعلقًا بميزانية الملكيات في العهد القديم.

أوضحت المادة ٦٧ أنواع المعاهدات التي يجب أن تعرض على مجلس نواب الشعب للموافقة عليها وهي المعاهدات التجارية، والمتعلقة بالتنظيم الدولي أو بحدود الدولة أو بالتعهدات المالية أو بحالة الأشخاص أو بأحكام ذات صبغة تشريعية.

يمكن للمجلس بموافقة ثلاثة أخماس أعضائه أن يفوض رئيس الحكومة لمدة معينة لاتجاوز الشهرين ولغرض معين باصدار مراسيم حكومية تتعلق بمجال القانون وتعرض على المجلس بعد إنتهاء فترة التفويض بإستثناء القانون الانتخابي فلا يجوز تعديله إلا من قبل البرلمان.


يلاحظ أن هذا التنظيم للسلطة التشريعية خلا من من ذكر عدد أعضاء البرلمان.


الباب الرابع: السلطة التنفيذية
مادة ٧١ - مادة ١٠١

هذه السلطة يمارسها رئيس الجمهورية وحكومة يرأسها رئيس الحكومة. 

أ: رئيس الجمهورية

رئيس الدولة ورمز الوحدة وضامن استقلال الدولة واستمرارها والساهر على احترام الدستور، ومقر الرئاسة تونس العاصمة، ولا يجوز الجمع بين مسؤولية الرئاسة وأية مسؤولية حزبية، ويجوز له أن يخاطب مجلس النواب.

يشترط للترشح للرئاسة أن يكون:
تونسي منذ الولادة
مسلم الديانة
بالغًا من العمر ٣٥ عامًا
وإذا كان مزدوج الجنسية يشترط أن يقدم تعهدًا بالتخلي عن جنسيته الأخرى.
ويجب أن تتم تزكيته من عدد من نواب المجلس أو رؤساء الجماعات المحلية المنتخبين أو الناخبين المرسمين حسبما يضبطه قانون الانتخابات.
المدة الرئاسية ٥ سنوات ينتخب فيها الرئيس انتخاباً عاما حرًا مباشرًا سريًا يتسم بالنزاهة بالأغلبية المطلقة فإن لم يحصل عليها أي من المرشحين في الدورة الأولى تنظم دورة إعادة بين ألمرشحين الذات حصدوا أكثر الاصوات.

ويجوز في حال الخطر الداهم يتعذر معه إجراء الانتخابات أن تمدد المدة الرئاسية بقانون أساسي، ولا يجوز أن يتولى الرئيس الرئاسة أكثر من دورتين متصلتين أو منفصلتين وفي حال الإستقالة تعد الفترة مدة رئاسية كاملة.

وهذا النص سد الثغور الدستورية التي من الممكن أن يستغلها الرئيس للبقاء في المنصب لأكثر من المدد الدستورية حيث نص أن الفترة لاتتجاوز المدتين الرئاسية سواء كانت متصلة أم منفصلة فهي تمنع من الترشح لدورة ثالثة منفصلة "كما هو الحاصل في روسيا الإتحادية" كذلك في حال الإستقالة فقد اعتبرها النص مدة رئاسية كاملة لكي لا يلتف عليه.

ويحظر أي تعديل دستوري بشأن زيادة المدد الرئاسية.

المادة ٧٧ عددت مهام رئيس الجمهورية:
- تمثيل الدولة
- ضبط السياسة العامة في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي الداخلي والخارجي وذلك بعد مشاورة رئيس الحكومة.
- حل مجلس النواب، ولا يجوز الحل خلال الأشهر الستة الأولى منذ نيل الحكومة الأولى لثقة البرلمان بعد الانتخابات التشريعية الأولى "وهنا الحظر مؤقت" وكذلك يحظر الحل خلال الأشهر الستة الأخيرة من المدة الرئاسية أو المدة النيابة "وهنا الحظر دائم".
- رئاسة مجلس الأمن القومي
- القيادة العليا للقوات المسلحة
- إعلان الحرب وإبرام السلم بموافقة ثلاثة أخماس النواب، أو إرسال القوات للخارج بعد مشاورة رئيسي البرلمان والحكومة، وموافقة الحكومة خلال مدة لا تجاوز الستين يوما من الارسال.
- المصادقة على المعاهدات ونشرها
- منح الأوسمة
- العفو الخاص

أما المادة ٧٨ فبينت الصلاحيات التي تصدر بناء على أوامر رئاسية مثل تعيين المفتي والتعيينات الخاصة بالوظائف العليا المتعلقة بشؤون الرئاسة، التعيينات والاعفاءات الخاصة بالوظائف العليا العسكرية والدبلوماسية والمتعلقة بالأمن القومي بعد مشاورة رئيس الحكومة، تعيين محافظ البنك المركزي بعد ترشيح رئيس الحكومة وموافقة أغلبية المجلس.

يجوز لرئيس الجمهورية إتخاذ بعض التدابير تحتمها حالة استثنائية تمر فيها البلاد بعد مشاورة رئيس المجلس و رئيس الحكومة وإعلام رئيس المحكمة الدستورية وإعلان تلك التدابير للشعب في بيان رسمي.

وهذه الصلاحيات للرئيس أحيطت بسياج متين من شفافية الإجراءات عبر مخاطبة الشعب ورؤساء السلطات، وعلاوة على ذلك حظرت المادة أن يتم في تلك الحالة حل البرلمان أو توجيه لوم للحكومة.

وكضمانة أكبر يجوز بعد مضي ثلاثين يوما من سريان تلك التدابير أن يعرض الأمر على المحكمة الدستورية بناء على طلب رئيس البرلمان أو ٣٠ عضوًا من الاعضاء ويجب أن تفصل في الطعن خلال ١٥ يومًا.

المادة ٨١ تبين الحالات التي يصادق الرئيس على القوانين في حالاتها المختلفة بعد إنقضاء الآجال المحددة لرد القانون أو لإحالته للدستورية.

ولرئيس الجمهورية في مواجهة التشريعات سلطتان الأولى رده للمداولة للمرة الثانية من قبل المجلس، وهو ما يعرف فقهيًا "بالإعتراض التوقيفي" ويمكن للمجلس تخطي هذا الإعتراض بالموافقة بأغلبية الأعضاء الذي يتألف من المجلس للقوانين العادية، وأغلبية ثلاثة أخماس من أعضاء المجلس للقوانين الأساسية، أما السلطة الثانية هي عرض القانون (المتعلق بالحريات أو الاحوال الشخصية أو المعاهدات) باستفتاء على الشعب ليقرر قبوله أو رفضه بأغلبية المقترعين.


المواد من ٨٣ - ٨٧ تنظم الشغور المؤقت لمنصب الرئيس والذي لا يتجاوز مدة ٦٠ يومًا وتوكل مهام الرئاسة لرئيس الحكومة وذلك بعد إعلام رئيس البرلمان واقرار المحكمة الدستورية للشغور.

كما تنظم المواد حال الشغور الدائم بتجاوز مدة ٦٠ يوما أو العجز الدائم او الاستقالة الكتابية او الوفاة هنا تجتمع المحكمة الدستورية وتقر الشغور الدائم وتوكل مهام الرئاسة لرئيس البرلمان في مدة ادناها ٤٥ يوما ولا تجاوز ٩٠ يوما، ومحظور على القائم بمهام الرئيس اقتراح تعديل دستوري أو حل البرلمان أو اللجوء للاستفتاء.

تختتم المادة ٨٨ هذا القسم من الباب الرابع بوضع حكم إعفاء الرئيس من منصبه، حيث أنه بإمكان أغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم مجلس نواب الشعب المبادرة بلائحة مسببة لاعفاء الرئيس بسبب خرق جسيم للدستور، ويوافق عليها المجلس بأغلبية الثلثين وهنا تحال اللائحة للمحكمة الدستورية لنظرها والموافقة عليها بأغلبية الثلثين من أعضائها ١٢ عضوًا ولا يمكن للمحكمة أن تحكم بإدانة الرئيس بل فقط بعزله يمكن إقامة دعوى جزائية ضده بأسباب عزله اذا كان لها مقتضى، وإذا عزل الرئيس لايمكن له الترشح مرة أخرى.

القسم الثاني: الحكومة

تتشكل الحكومة من رئيس الوزراء والوزراء وكتاب الدولة حيث يختارهم رئيس الحكومة وبالتشاور مع رئيس الجمهورية بالنسبة لوزارتي الخارجية والدفاع.

يقوم  رئيس الجمهورية في أجل اسبوع من الاعلان عن النتائج النهائية للانتخابات بتكليف مرشح الحزب أو الائتلاف الانتخابي المتحصل على أكبر عدد من المقاعد في البرلمان.

ولرئيس الحكومة مهلة شهر تجدد لمرة واحدة، وإذا تجاوز الاجل دون تكوين الحكومة أو في حالة تشكيل الحكومة وعدم حصولها على ثقة المجلس يقوم رئيس الجمهورية بتكليف الشخصية الاقدر لتشكيل الحكومة بعد مشاورة الاحزاب والإئتلافات والكتل النيابية في ظرف عشرة أيام.

فإذا مضت أربعة أشهر من التكليف الاول دون تشكيل الحكومة يجوز لرئيس الجمهورية أن يحل مجلس النواب والدعوة للانتخابات التشريعية في أجل ادناه ٤٥ يومًا وأقصاه ٩٠ يومًا.

تقدم الحكومة برنامجًا موجزًا لتنال ثقة المجلس ثم تؤدي القسم الدستورية أمام رئيس الجمهورية، ويمنع الجمع بين عضوية الحكومة وعضوية البرلمان كما يحظر عليهم ممارسة المهنة.

رئيس الحكومة يرأس مجلس الوزراء، وينعقد بدعوة منه ويضبط جدول اعمال، ويرأس رئيس الجمهورية "وجوبًا" في مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومي المتعلقة بحماية الدولة ضد التهديدات الداخلية والخارجية، ويجوز حضوره في جلسات أخرى وإن حضر يرأس الجلسة.

يضبط رئيس الحكومة السياسة العامة للدولة ويسهر على تنفيذها.
ويختص رئيس الحكومة في:
- احداث وتعديل وحذف الوزارات
- اقالة عضو أو اكثر من اعضاء الحكومة ويبت في استقالته عدا وزيري الدفاع والخارجية يشاركة في المشاورة رئيس الجمهورية.
- احداث المصالح العمومية والمنشئات.
- اجراء التعيينات والاعفاءات في الوظائف المدنية العامة.

الحكومة مسؤولة أمام البرلمان، ولكل عضو بمجلس النواب أن يتقدم إلى الحكومة بأسئلة كتابية وشفوية، ويمكن التصويت على لائحة لوم ضد الحكومة، بعد طلب مسبب يقدم من ثلث الاعضاء على الاقل، ويشترط للموافقة عليه الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم المجلس، ولا يصوت المجلس إلا بعد مضي ١٥ يوم على ايداع اللائحة.

فاذا رفض الطلب لايجوز تقديمه مرة أخرى الا بعد مضي ٦ أشهر.

اما طلب سحب الثقة من احد الوزراء يقدمه ثلث الأعضاء ويتم التصويت بالموافقة بالاغلبية المطلقة.
*يلاحظ أن هذا النص لم يذكر أن الأغلبية المطلقة هل هي لأغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس كما هو الحال بالنسبة لإسقاط الحكومة بأكملها، أم يكتفي فقط بالأغلبية المطلقة للحاضرين؟ والأقرب أنها أغلبية الحاضرين كون النص جاء مطلقًا والمطلق يؤخذ على إطلاقه كما أن سحب الثقة من أحد أعضاء الحكومة أمر أخف من أن يتساوى بسحب الثقة من الحكومة كلها.
 
ويمكن للحكومة ان تطلب من المجلس التصويت على الثقة الممنوحة لها ومواصلة نشاطها، واذا وافق المجلس بالاغلبية المطلقة لاعضاء اعتبرت الحكومة مستتقيلة.

اذا استقال رئيس الحكومة تعد الحكومة باكملها مستقيلة.

وفي حالة الاستقالة او سحب الثقة من الحكومة يكون لرئيس الجمهورية اختيار الشخصية الاقدر لتشكيل الحكومة.

تقرر المادة ٩٩ صلاحيات رئيس الجمهورية ضد البرلمان حيث يمكنه أن يطلب من المجلس التصويت على الثقة في مواصلة الحكومة لنشاطها مرتين على الأكثر خلال كامل المدة الرئاسية بذات الاغلبية المذكورة سابقا، فان صوت البرلمان بسحب الثقة اعتبرت مستقيلة ويجوز لرئيس الجمهورية تكليف الاقدر لتشكيل الحكومة خلال ثلاثون يومًا، فاذا لم تشكل الحكومة خلال هذه المدة أو شكلت ولم تحوز ثقة البرلمان يجوز لرئيس الجمهورية أن يحل البرلمان.

واذا استخدم رئيس الجمهورية حق في المرتين ورفضه البرلمان اعتبر رئيس الجمهورية مستقيلاً.

عند الشغور النهائي لمنصب رئيس الحكومة يرشح  رئيس الجمهورية مرشح الحزب الحاكم فان فشل في تشكيلها او لم يحصل على ثقة البرلمان كلف رئيس الجمهورية الشخصية الاقدر.

أما في حال الشغور المؤقت فيمكن لرئيس الحكومة أن يفوض أحد وزرائه بمهامه.

والمادة ١٠١ تختتم باب السلطة التنفيذية بان المنازعات التي تثور باختصاصات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة تنظرها المحكمة الدستورية في مدة اسبوع.

الباب الخامس: السلطة القضائية
مادة ١٠٢ - مادة ١٢٤

السلطة القضائية في كنف هذا الدستور تتمتع بالاستقلال ويتمتع أعضاؤها بالحصانة الجزائية، وتتمتع كل من سلطاته بالاستقلال المالي والاداري.
 
وتنقسم المحاكم إلى:
القضاء العدلي "الجنائي"
القضاء الاداري
القضاء المالي

ويعلو هذه المحاكم المجلس الأعلى للقضاء الذي يتشكل من هياكل المحاكم الثلاث والجمعية العمومية المجتمعة.

المحكمة الدستورية
هيئة قضائية مستقلة مشكلة من ١٢ عضوا يغلب عليها الطابع القانوني ٩ أعضاء لاتقل خبرتهم عن ٢٠ عامًا، يعين كل من رئيس الجمهورية ومجلس نواب الشعب والمجلس الأعلى للقضاء أربعة أعضاء ثلاثة منهم من أهل القانون، التعيين فيها يكون لمدة واحدة قدرها ٩ سنوات، يجدد ثلثهم كل ثلاث سنوات.

وتختص بنظر:

- ما يحال إليها من رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة أو ثلاثين عضوا من البرلمان من طلبات فحص دستورية المشاريع بقوانين.

- المشاريع بقوانين التي يعرضها رئيس مجلس نواب الشعب لنظر مدى احترامها لاجراءات التعديلات الدستورية مثل حظر تعديل المادة ١.

-المعاهدات التي تحال إليها بناء على طلب رئيس الجمهورية.

- الطعون التي تحال من المحاكم المختلفة بعدم دستورية قانون ما.

- اللائحة الداخلية لمجلس نواب الشعب.

للمحكمة ٤٥ يوما للبت فيما يرفع إليها من طلبات فحص دستورية القوانين، وتصدر احكامها بأغلبية أعضائها، وأحكامها ملزمة للكافة، وفي حالة انقضاء الاجل دون فصل ملزمة فورًا باحالة المشروع لرئيس الجمهورية.

يرد المشروع المقرر بعدم دستوريته للمجلس عبر رئيس الجمهورية لمداولته طبقًا لقرار المحكمة، ثم على الرئيس إرجاعه وجوبا للمحكمة قبل التصديق على التعديل.

اذا نظرت المحكمة طعنًا "لاحقًا" في دستورية قانون ما نافذ، فان المهلة الممنوحة لها للفصل في الطعن ٣ أشهر قابلة للتجديد مرة واحدة بقرار مسبب، فإذا رأت عدم الدستورية ابطلت القانون أو الجزء الغير دستوري فيه، ويوقف العمل به.

ويلاحظ أن الدستور التونسي أخذ بنظام الرقابة الدستورية اللاحقة (كما هو الحال في فرنسا عبر المجلس الدستوري) حيث تبسط المحكمة رقابتها على مشاريع القوانين قبل صدورها، وهو نظام أثبت نجاعته في توخي أثار التشريعات التي تصدر بشكل غير دستوري ثم يطعن عليها أمام المحكمة الدستورية وتحكم ببطلانها وجميع آثارها، كما لم يستبعد الدستور الرقابة اللاحقة على القوانين التي تصدر وتطبق عبر الطعن عليها من قبل الأفراد أمام المحاكم.

إلا أن النصوص لم تشير إلى إمكانية أن يطعن الأفراد مباشرةً أمام المحكمة بدستورية نص قانوني ما. 

الباب السادس: الهيئات الدستورية المستقلة 
مادة ١٢٥ - مادة ١٣٠

هي هيئات تعمل على دعم الديمقراطية وتتمتع بالاستقلالية المالية والادارية وتعين من قبل مجلس النواب وتعد تقارير سنوية تعرض للبرلمان، وأوكلت للقانون مهمة ضبط تركيبة هذه الهيئات والتمثيل فيها وانتخابها ومساءلتها وهي:

هيئة الانتخابات
هيئة الاتصال السمعي والبصري
هيئة حقوق الانسان
هيئة التنمية المستدامة وحقوق الاجيال القادمة
هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد


الباب السابع: السلطة المحلية
مادة ١٣١ - مادة ١٤٢

السلطة المحلية تتصف باللامركزية، وتتكون من بلديات وجهات وأقاليم، وتتمتع بالشخصية القانونية والاستقلالية المالية والادارية وتدير شؤونها المحلية حسب مبدأ التدبير الحر، السلطات المحلية تنتخب من قبل الشعب، ولها مواردها الخاصة وتضمن السلطة المركزية توفير موارد اضافية لها، وتضمن تكافؤ الفرص بين السلطات المحلية.

وللسلطة المحلية مجلس اعلى، ويفصل القضاء الاداري في منازعات السلطات المحلية فيما بينها والمنازعات بين السلطة المحلية والسلطة المركزية.

الباب الثامن: تعديل الدستور
مادة ١٤٣ - مادة ١٤٤

وقد فصلنا هذا الباب في معرض الحديث عن جمود الدستور

الباب التاسع: الاحكام الختامية
مادة ١٤٥ - مادة ١٤٧

تنص المادة ١٤٥ على ان التوطئة جزء لا يتجزأ من الدستور

ايضًا أكدت المادة ١٤٦ على ان تفسر نصوص الدستور بعضها اليعض كوحدة منسجمة.

الباب العاشر: احكام انتقالية
مادة ١٤٨ - مادة ١٤٩

وينظم هذا الباب كيفية الانتقال من العمل باحكام الدستور المؤقت إلى العمل باحكام هذا الدستور الدائم.

______________

نظرة على النظام السياسي التونسي في ظل هذا الدستور

النظم السياسية هي التي تختص بتوزيع عمل السلطات في الدولة.

وفقهيًا تنقسم هذه الأنظمة إلى نظام برلماني ومثاله النظام الانجليزي، ويقوم على فصل بين السلطات وتعاونها وتكون فيه السلطة التنفيذية موكولة لحكومة يمثلها رئيس الوزراء ومسائلة أمام البرلمان يملك اسقاطها والحكومة تملك حل البرلمان بالمقابل، وهذا النظام يصلح للدول الملكية والدول الجمهورية، وهو يقوم على التوازن بين السلطات ولاتكون فيه لرئيس الدولة ملكًا وارثًا كان أم رئيسًا منتخبًا أي سلطات ودوره يقتصر على تمثيل الدولة.

أما النظام الرئاسي ومثاله النظام الأمريكي فيقوم على الفصل التام بين السلطات "التجربة العملية أوجدت بعض القنوات للتشارك" وتكون السلطة التنفيذية موحدة لرئيس الجمهورية فهو يعين الوزراء ويعفيهم من مناصبهم، وهم مسؤولون أمام ولا يساءلون أمام البرلمان ولايمكن له إسقاطها، ولا وجود - بالمقابل - لسلطة حل البرلمان.

وهناك نظام مختلط نظام يتضمن خصائص من كلا النظامين، فالسلطة النتفيذية سلطة مزدوجة (رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة) الحكومة يقودها رئيس الوزراء ويعينه البرلمان وتكون الحكومة مسؤولة أمام البرلمان، إلا أن رئيس الجمهورية لا يقتصر دوره على تمثيل الدولة فقط بل يملك صلاحيات فيما يتعلق بمجالي الدفاع والخارجية وهذا النظام  مثاله فرنسا وفقًا لدستور ١٩٥٨ دستور الجمهورية الخامسة.


فأي من هذه الأنظمة تبناه الدستور التونسي، الظاهر من نصوص الدستور أن المشرع الدستوري قد تبنى النظام المختلط المستوحى من التجربة الفرنسية فرئيس الجمهورية التونسية لا يعين الحكومة ولا تساءل تجاهه ولا يقتصر دوره فقط على تمثيل الدولة إنما يوكل له الصلاحيات في مجال الخارجية والدفاع،

كذلك السلطة النتفيذية التونسية يرأسها رئيس الحكومة الذي يعين من قبل البرلمان ويجب أن يحوز ثقته، إلا أن الملاحظ في الدستور التونسي لم يشترط تعيين الوزراء من أعضاء البرلمان وهي إحدى السمات للنظام البرلماني والتي تخلى عنها هذا الدستور.

لذا فالدستور التونسي تابع أحدث التجارب الدستورية، فالمشرع الدستوري لم يشأ أن يأخذ النظام البرلماني المطلق الذي يتطلب إستقرارًا كبيرًا في الدولة، كما أن هذا النظام يصلح للدولة البعيدة عن الهزات الإقتصادية والفقيرة، كما لم يحبذ أن يأخذ بالنظام الرئاسي المطلق الذي يكون فيه رئيس الجمهورية رئيسًا للسلطة التنفيذية مستقلًا عن البرلمان بل في كثير من الأحيان ندًا له، فتوجه للنظام المختلط الذي يقلل من الأزمات بين السلطتين ويضع رقيبًا وحكمًا عليها متمثًلا بالمحكمة الدستورية التي يرجع لها الفصل في كثير من المسائل التي تثور بين السلطتين.

كما اعتمد الدستور التونسي في تذليل العقبات التي تثيرها الخلافات بين السلطتين على شيء من الإجراءات التي ترتبط بمواعيد زمنية محددة، يمكننا القول بأنها وضعت بمعيار سوء النية بالحاكم المستقبلي، هو أمر لازم من واقع تجارب الدول وخاصة تجارب الدول العربية وتجربة تونس السابقة.

لذا فظاهر الرأي أن الدستور التونسي إن طبقت نصوصه وإن سلم من نار الصراع الحزبي المغالي يكفل لتونس عهدًا دستورًا يتسم بالاستقرار والنماء.

الأحد، 26 يناير، 2014

هل يمكن نقد الدستور؟!

منذ انطلاق الحراك الشعبي الهادف لتغيير رئيس الوزراء والنهج الحكومي السائد، ومع تداعيات الربيع العربي ظهرت على السطح السياسي العديد من المطالبات بتعديلات دستورية جزئية تارةً وشاملة بوجهة نظر آخرين.

وهذه الدعوات للتنقيح الدستوري صاحبها عرض لمثالب وقصور دستور ٦٢ في تلبية متغيرات المرحلة السياسية والإجتماعية.

وبحكم اللزوم هذا العرض للقصور الدستوري لابد أن يخالطه شيءٌ من السخرية والحط من القدر أو الهالة أو القدسية التي أُسبغت عليه كونه الدستور المتفرد بين اقرانه من دساتير المنطقة في عصره.

هذه المقدمة كتبتها لآخذ القارئ للسؤال التالي:
هل يعد التعرض للدستور جريمة!!

بالتأكيد الجواب البديهي هو النفي بـ لا!!
خاصة وأن نصوص الدستور ذاته كفلت حرية التعبير والرأي عن شتى المواضيع بما فيها الدستور ذاته.


ولكن للأسف المشرع لديه رأي مخالف، بحيث جعل التعرض للدستور جريمة معاقب عليها وفق القانون!!

أي قانون؟

المادة 21 من قانون النشر والمطبوعات تنص على أنه "يحظر نشر كل ما من شأنه:
1- تحقير أو ازدراء دستور الدولة.
،،،،،،"

كذلك المادة 11من قانون المرئي والمسموع تنص على أنه "يحظر على المرخص له بث أو إعادة بث ما من شأنه:
،،،،
4- تحقير أو ازدراء دستور الدولة..."

قد لا يصدق القارئ وجود مثل هذه النصوص والتي تناقض الدستور التي تدعو لعدم نقده أو ازدرائه!!

فالحق بالتعبير وإبداء الرأي مكفول في الدستور فكيف يحظرها المشرع العادي بنصوص واهية غير منطقية.

فهذه النصوص تحظر إستخدام وسائل التعبير المختلفة "صحف - مجلات - صحف إلكترونية - قنوات فضائية - إذاعات ،، وغيرها" في التعرض للدستور بالنقد!!

لا يمكن لأي قانون مهما علت مرتبته أن يحصن من النقد _النقد الذي يجرمه المشرع بعبارات ملتويه مثل المساس أو التحقير أو الإزدراء!!_ فطبيعة القانون هي التغيير لكي يناسب وقت تطبيقه، فتجريم نقد الدستور أو القانون سيفقد الحاجة لتغييره وتطويره مما يفقد الحاجة للمشرع والسلطة التشريعية بحكم اللزوم!!

يبين فيكتور هيجو _ في مرافعته التاريخية ضد جريمة الإعدام إثر اتهام ابنه بعدم احترام القانون عندما كتب تقريرا صحفيًا ضد عقوبة الإعدام _ معنى عبارة ("الاحترام الواجب للقانون" التي هي أساس الاتهام, ماذا تحمل؟. ماذا تعني؟. وما هو جوهرها الحقيقي؟ . لا يمكن لهذه العبارة أن تعني إلغاء النقد تحت ذريعة احترام القوانين. هذه العبارة تعني ببساطة احترام تنفيذ القوانين, ولا شيئا آخر. فهي تسمح بالنقد, تسمح باللوم الشديد, ونرى ذلك يوميا, وحتى فيما يتعلق بالدستور الذي هو أسمى من القوانين. هذه العبارة تسمح بالتوجه للسلطة التشريعية لطلب إلغاء قانون خطير. هذه العبارة تسمح أخيرا بان تتم مجابهة القوانين بعقبة معنوية, ولا تسمح بمجابهتها بعقبة مادية. دعوا قانونا ينفذ حتى ولو كان سيئا, حتى ولو كان ظالما, حتى ولو كان بربريا, افضحوه أمام الرأي العام, أمام المشرع, ولكن نفذوه. قولوا بأنه سيئ, قولوا بأنه ظالم, قولوا بأنه بربري, ولكن لا تحولوا دون تطبيقه. نعم للنقد. لا للتمرد. هذا هو المعنى الحقيقي, المعنى الوحيد لهذه لعبارة: احترام القوانين.)

فهل يمكن القبول بوجود مثل هذه النصوص المعيبة دستوريًا وقانونيًا ومنطقيًا!!

هل يمكن أن نضع من يقف في وجه القانون معنويًا عبر نقده بذات الصف الذي يقف في وجه القانون ماديًا عبر مخالفته!؟

هل يمكننا أن نحظر ممارسة الحقوق الدستورية بهدف حماية الدستور!!

هل من الممكن أن نحرم أجيال قادمة من تنظيم شأنها دون أن نلزمها بأخطاء "أو لنقل ظروف" الآباء الذين وضعوا الدستور أو أي قانون!!!

بالتأكيد الإجابة ،، لا

_______

من زاوية آخرى لعل من الواجب أن نلتفت للمشرع الذي وضع هذا القانون " وإن كنت عادةً اتناول النصوص دون الشخوص " إلا ان من الضروري التنبيه على أن المشرعين الذين وضعوا هذه النصوص أعتقد أنهم هم من سيقعون ضحية ما خطت أيديهم.

فمشرعين مجلس ٢٠٠٦ هم معارضة اليوم الرافضين للحالة السياسية الراهنة، المطالبين بتعديلات دستورية للعديد من النصوص، المشائين بين بوسائل الإعلام يسوقون الحجج للقصور الدستوري ويعرضون سوء نصوصه وعدم ملاءمتها لوقتنا الحاضر.

فبأي حجج سوف يمثلون أمام المحكمة  "إن تم تفعيل النصوص" ووجهت لهم تهمة إزدراء الدستور وتحقيره!! 

ومن جانب آخر (أخطر) أي نصوص دستورية يمكن أن يضع هؤلاء إن تمكنوا من فرض مشروعهم الإصلاحي!!