الأحد، 26 يناير، 2014

هل يمكن نقد الدستور؟!

منذ انطلاق الحراك الشعبي الهادف لتغيير رئيس الوزراء والنهج الحكومي السائد، ومع تداعيات الربيع العربي ظهرت على السطح السياسي العديد من المطالبات بتعديلات دستورية جزئية تارةً وشاملة بوجهة نظر آخرين.

وهذه الدعوات للتنقيح الدستوري صاحبها عرض لمثالب وقصور دستور ٦٢ في تلبية متغيرات المرحلة السياسية والإجتماعية.

وبحكم اللزوم هذا العرض للقصور الدستوري لابد أن يخالطه شيءٌ من السخرية والحط من القدر أو الهالة أو القدسية التي أُسبغت عليه كونه الدستور المتفرد بين اقرانه من دساتير المنطقة في عصره.

هذه المقدمة كتبتها لآخذ القارئ للسؤال التالي:
هل يعد التعرض للدستور جريمة!!

بالتأكيد الجواب البديهي هو النفي بـ لا!!
خاصة وأن نصوص الدستور ذاته كفلت حرية التعبير والرأي عن شتى المواضيع بما فيها الدستور ذاته.


ولكن للأسف المشرع لديه رأي مخالف، بحيث جعل التعرض للدستور جريمة معاقب عليها وفق القانون!!

أي قانون؟

المادة 21 من قانون النشر والمطبوعات تنص على أنه "يحظر نشر كل ما من شأنه:
1- تحقير أو ازدراء دستور الدولة.
،،،،،،"

كذلك المادة 11من قانون المرئي والمسموع تنص على أنه "يحظر على المرخص له بث أو إعادة بث ما من شأنه:
،،،،
4- تحقير أو ازدراء دستور الدولة..."

قد لا يصدق القارئ وجود مثل هذه النصوص والتي تناقض الدستور التي تدعو لعدم نقده أو ازدرائه!!

فالحق بالتعبير وإبداء الرأي مكفول في الدستور فكيف يحظرها المشرع العادي بنصوص واهية غير منطقية.

فهذه النصوص تحظر إستخدام وسائل التعبير المختلفة "صحف - مجلات - صحف إلكترونية - قنوات فضائية - إذاعات ،، وغيرها" في التعرض للدستور بالنقد!!

لا يمكن لأي قانون مهما علت مرتبته أن يحصن من النقد _النقد الذي يجرمه المشرع بعبارات ملتويه مثل المساس أو التحقير أو الإزدراء!!_ فطبيعة القانون هي التغيير لكي يناسب وقت تطبيقه، فتجريم نقد الدستور أو القانون سيفقد الحاجة لتغييره وتطويره مما يفقد الحاجة للمشرع والسلطة التشريعية بحكم اللزوم!!

يبين فيكتور هيجو _ في مرافعته التاريخية ضد جريمة الإعدام إثر اتهام ابنه بعدم احترام القانون عندما كتب تقريرا صحفيًا ضد عقوبة الإعدام _ معنى عبارة ("الاحترام الواجب للقانون" التي هي أساس الاتهام, ماذا تحمل؟. ماذا تعني؟. وما هو جوهرها الحقيقي؟ . لا يمكن لهذه العبارة أن تعني إلغاء النقد تحت ذريعة احترام القوانين. هذه العبارة تعني ببساطة احترام تنفيذ القوانين, ولا شيئا آخر. فهي تسمح بالنقد, تسمح باللوم الشديد, ونرى ذلك يوميا, وحتى فيما يتعلق بالدستور الذي هو أسمى من القوانين. هذه العبارة تسمح بالتوجه للسلطة التشريعية لطلب إلغاء قانون خطير. هذه العبارة تسمح أخيرا بان تتم مجابهة القوانين بعقبة معنوية, ولا تسمح بمجابهتها بعقبة مادية. دعوا قانونا ينفذ حتى ولو كان سيئا, حتى ولو كان ظالما, حتى ولو كان بربريا, افضحوه أمام الرأي العام, أمام المشرع, ولكن نفذوه. قولوا بأنه سيئ, قولوا بأنه ظالم, قولوا بأنه بربري, ولكن لا تحولوا دون تطبيقه. نعم للنقد. لا للتمرد. هذا هو المعنى الحقيقي, المعنى الوحيد لهذه لعبارة: احترام القوانين.)

فهل يمكن القبول بوجود مثل هذه النصوص المعيبة دستوريًا وقانونيًا ومنطقيًا!!

هل يمكن أن نضع من يقف في وجه القانون معنويًا عبر نقده بذات الصف الذي يقف في وجه القانون ماديًا عبر مخالفته!؟

هل يمكننا أن نحظر ممارسة الحقوق الدستورية بهدف حماية الدستور!!

هل من الممكن أن نحرم أجيال قادمة من تنظيم شأنها دون أن نلزمها بأخطاء "أو لنقل ظروف" الآباء الذين وضعوا الدستور أو أي قانون!!!

بالتأكيد الإجابة ،، لا

_______

من زاوية آخرى لعل من الواجب أن نلتفت للمشرع الذي وضع هذا القانون " وإن كنت عادةً اتناول النصوص دون الشخوص " إلا ان من الضروري التنبيه على أن المشرعين الذين وضعوا هذه النصوص أعتقد أنهم هم من سيقعون ضحية ما خطت أيديهم.

فمشرعين مجلس ٢٠٠٦ هم معارضة اليوم الرافضين للحالة السياسية الراهنة، المطالبين بتعديلات دستورية للعديد من النصوص، المشائين بين بوسائل الإعلام يسوقون الحجج للقصور الدستوري ويعرضون سوء نصوصه وعدم ملاءمتها لوقتنا الحاضر.

فبأي حجج سوف يمثلون أمام المحكمة  "إن تم تفعيل النصوص" ووجهت لهم تهمة إزدراء الدستور وتحقيره!! 

ومن جانب آخر (أخطر) أي نصوص دستورية يمكن أن يضع هؤلاء إن تمكنوا من فرض مشروعهم الإصلاحي!!